مجمع البحوث الاسلامية

481

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أصلا ، فإنّ الشّبع والرّيّ والكسوة والمسكن قد تحصل بعد عروض أضدادها ، بإعواز الطّعام والشّراب واللّباس والمسكن ، وليس الأمر في الجنّة كذلك بل كلّ ما وقع فيها شهوة وميل إلى شيء من المذكورات ، تمتّع به من غير أن يصل إلى حدّ الضّرورة . ولقائل أن يقول : وهل فيها لذّة إلّا إذا أحسّ بإعوازها ؟ إلّا أن تكون طبيعة الحال في الجنّة غيرها في الدّنيا - ولا يبعد - وله شواهد من أوصاف الجنّة في الكتاب والسّنّة . وثانيا : اثنتان من الآيات مدح وسرور بنفي الجوع ، وهما ( 1 ) و ( 5 ) فالأولى نفي للجوع عن أهل الجنّة ، والأخيرة نفي له عن أهل مكّة ، مع فارق بينهما بنفي الجوع عن أهل الجنّة رأسا ، ورفع الجوع عن أهل مكّة بإطعامهم ، فإنّ مكّة كانت بلدا قفرا ، وأهلها جياعا بالطّبع لو لم يأتهم الطّعام من بلاد أخرى ، فمنّ اللّه عليهم بإطعامهم من جوع . واثنتان منها ذمّ وعذاب وبلاء ، وهما ( 2 ) و ( 3 ) ، والأولى بلاء لهذه الأمّة والأخيرة عذاب لقرية كانت مطمئنّة يأتيها رزقها رغدا مع فارق بينهما ، فالأولى إنذار لهذه الأمّة بالجوع امتحانا ، ليصبروا عليه ، والأخرى حكاية عذاب لتلك القرية على كفرها وكفرانها بأنعم اللّه ، فشتّان ما بين الجوعين : أحدهما يبشّر بالفلاح ، والآخر يحكي الخسران . وثالثا : جاء الجوع مع الظّمأ في ( 1 ) ومع الخوف في ( 2 ) و ( 3 ) و ( 5 ) ومع « الطّعام » في ( 4 ) مع اختلاف في التّقديم والتّأخير ، وفي التّعريف والتّنكير ، وفيما يقارنهما فيها ، كما يأتي : 1 - قد بحثنا في الجوع والظّمأ وما قارنهما من العري والضّحى في ( 1 ) فلا نعيد . 2 - جاء ( طعام ) في ( 4 ) مع ( جوع ) حيث نفى لأهل النّار أن يكون لهم طعام إلّا من ضريع لا يغنيهم من جوع ، فجاء ( جوع ) بإزاء ( طعام ) و ( ضريع ) ، وكلّها نكرة تحقيرا فيها جميعا ، أو استيعابا في ( طعام ) و ( جوع ) لوقوعهما بعد النّفي ، وتحقيرا في ( ضريع ) لوقوعه إثباتا ، وهو الأولى حسب السّياق ، ولذلك لم يذكر الخوف فيها مع الجوع . 3 - جاء « الخوف » و « الجوع » معرّفا بلام الجنس في ( 2 ) و ( 3 ) مع فروق بينهما : أحدها : جاء في ( 2 ) بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ الدّالّ على التّقليل والتّحقير أو التّنويع ، أي لنبلونّكم بقليل ، أو بنوع من الخوف والجوع ، ولا يدلّ على الإحاطة أو الكثرة ، وجاء في ( 3 ) لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ الدّالّ على الغلبة والكثرة والإحاطة ، فرقا بين البلاء والعذاب ، وبين الرّحمة والعتاب . ثانيها : جاء في ( 2 ) عطفا على بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ : وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ تنويعا فيما يبلي به ، وإعلاما بأنّ ما يصيب الإنسان المؤمن من الآفات كلّها بلاء واختبار ، ولهذا ذيّلها ب وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وهم الّذين خرجوا من البلاء مفلحين . وقد قيل قديما : « البلاء للولاء » . وجاء في ( 3 ) فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فشدّد في العذاب بلفظي ( أذاقها ) و ( لباس ) الدالّان على